Menu

صدر الكتاب الرابع للدكتور سيف نصرت الهرمزي التدريسي في كلية العلوم السياسية - جامعة تكريت عن المركز العربي للأبحاث ‏ودراسة السياسات الدوحة- قطر

غلاف-كتاب-القوة-الذكية

موجز كتاب
مقتربات القوة الذكية كآلية من اليات التغيير الدولي
‏ (الولايات المتحدة الأميركية انموذجاً)‏
Smart power Approaches as a mechanism of the ‎international changes "United States a model"‎‏"‏
 

تقديم:‏
عندما اقبل الباحث الى اختيار هذا العنوان للكتاب لم يكن يبتغي ان يرتقي به لمرتبة علمية ‏او ان يكتب قصة درامية تحاكي الذاتية او العاطفية، بل ان كل المبتغى من اول بصمة الى اخر ‏كلمة وحرف ان يكون اضافة لإغناء المكتبة العربية بدراسة واقعية تحاكي منطلقات القرن ‏الحادي والعشرين.‏
وبنظرة فاحصة للكتابات العربية لاسيما التي تناولت دراسة الولايات المتحدة الاميركية ‏وادائها الاستراتيجي وفق التحولات والمتغيرات الدولية نجد انها لا تخرج عن اتجاهين: الاول: ‏يحاكي نظرية المؤامرة ويعطي كل حركة لها بانها مؤامرة، مما يقتل التفكير في البحث عن ‏الحلول وهو يقع ضمن مبدأ الاستسلام ونظرية التبرير لأي اخفاق داخلي او خارجي تقع به ‏بلداننا العربية. ام الاتجاه الثاني: فهو اتجاه يمجد بالولايات المتحدة الاميركية ويعدها قوة ‏خيرة تسعى الى انارة العالم بالديمقراطية وحقوق الانسان والرفاهية لا غير، هذا الوجهان انما ‏وقعا في حقيقة الامر ما بين كماشة التفريط والافراط.‏
ومن هنا سعى الباحث الى تجنب الوجهين، والسعي الى تبيان ما لها وما عليها، (السلبيات ‏والايجابيات)، لنصل الى رؤية شاملة وفق منهجية استقرائية للأوضاع التي يشهدها النظام ‏الدولي الذي نحن جزء منه وتحليلها وفق متلازمة الواقعية الجديدة التي تقدم في المقام الاول ‏فهم عمق الاداء الاستراتيجي لاستشراف مستقبل تلك السياسة -الاستراتيجية موضوع ‏الدراسة. ‏
وبعد هذا الاستهلال في بيان منازعات الذات للكتابات العربية، اخترت هذا العنوان (مقتربات ‏القوة الذكية الاميركية كآلية من اليات التغيير الدولي. الولايات المتحدة الاميركية ‏أنموذجاً) . ليكون عنوان كتابنا. ‏

‏1-الاشكالية :‏
ولعل اول سؤال يطرح في اشكاليات دراستنا لماذا الولايات المتحدة الاميركية اقوى من غيرها ولماذا ‏تتربع قمة الهرمية في التراتبية الدولية بفارق كبير عن الوحدات الدولية في النظام الدولي ‏التي يمكن ان تنافسها ؟
لعل الاجابة المنطقية تكمن في انها قوة ذكية، لكن سر هذه القوة وسر هذا الذكاء في ‏الفكر والاداء والنتائج المرجوة من الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة الاميركية يمكن في ‏الوقوف على مجموعة من الاشكاليات التي تم معالجاتها في متن كتابنا وهي :‏
ما هي مقتربات القوة التي اتكأت عليها الولايات المتحدة الاميركية لتكون مخرجات ‏التغيير في معظم الاتجاهات لتصب في نهاية المطاف لصالحها؟
وما هي القوة الذكية الاميركية كأداء استراتيجي جديد، وهل كانت الولايات ‏المتحدة الاميركية قوة غبية لتطرح هذه الفكرة ؟
ماهي المرجعية الفكرية للقوة الذكية الاميركية وما هي اهم مراكز الفكر التي تبنت ‏المفاهيم لتحولها الى المصاديق ، وما هي الدوافع المبلورة لانطلاق هذه الفكرة التي غذت ‏صانع القرار الاميركي؟
‏ هذا الامر يجعلنا نبحث عن اهم التطبيقات العملية لتوظيف القوة الذكية على ارض ‏الواقع لمعالجة الاخفاقات وتذليل العقبات والاستجابة للتحديات وفق منطلقات منسجم القوة ‏للوصول الى النتائج التي ترنو اليها الادارة الاميركية في النسق الدولي؟ ‏
اخيراً نستفهم حول حيثيات مستقبل القوة الاميركية واستشرف ذلك وفق رؤية ‏اكاديمية علمية تعتمد على المعطيات السلبية والايجابية للوصول على مشاهد وسيناريوهات ‏تدعم كل اتجاه؟ وماذا بعد القوة الذكية وفق مقترب التطور الاستراتيجي للوصول لمقاربات ‏جديدة تتلاءم والظروف البيئة المستقبلية ؟ ‏
‏2-الفرضية:‏
هذه الاشكالية توصلنا الى فرضية مفادها ان هناك علاقة طردية ما بين التوظيف الامثل ‏لمقومات القوة الفكرية والمادية والنتائج الايجابية المبتغاة، بمعنى انه كلما كان توظيف القوة ‏رشيد وعقلاني كلما كانت مخرجات الاداء الاستراتيجي الاميركي ناجعاً، والعكس بالعكس.‏

‏3-اهمية الموضوع : ‏
واذا ما اردنا ان نعطي صورة موجزة للكتاب تبرز اهميته ، فان موضوع القوة والتغيير يعد ‏من المواضيع المتجددة في مختلف الحقول والمجالات لاسيما في حقل العلاقات الدولية ، فالقوة ‏هي مادة المدرسة الواقعية التي ترى ان الدول تتصارع من اجل القوة ، وان كل حركة انما تقوم ‏على ذلك ليس الا ، وبالتالي ولاوجود للمثالية في العلاقات الدولية، اما التغيير فهناك قاعدة ‏فلسفية تقول (ان كل شيء يتغير الا التغيير فهو ثابت لا يتغير)، ومن هنا جاءت المدرسة ‏الواقعية الجديدة الاميركية بقيادة "ارميتاج" ، والمدرسة الليبرالية الجديدة (الاقرب الى ‏المثالية) بقيادة "جوزيف سي ناي" لدمج انماط القوة الملموسة (الخشنة-العسكرية –الصلبة –‏الاقتصادية) والقوة غير الملموسة(الناعمة)، ليخرج لنا من هذه التوليفة منسجم كلي لجزئيات ‏القوة تحت مسمى (القوة الذكية) التي تدمج كل هذه الانماط وتصبها في بوتقة واحدة لتكون ‏العصا والجزرة في كل اداء .‏
فلا يمكن الاعتماد على القوة العسكرية في تحقيق الاهداف لأن مردودها سيكون سلبي ‏لاسيما في القرن الحادي والعشرين ، ولا يمكن بالوقت نفسه الاعتماد على القوة الناعمة في ‏تحقيق الاهداف المنشودة التي تصب في دعم المصلحة القومية العليا، لان كلاهما قاصر بصورة ‏نسبية، فالقوة العسكرية ممكن ان ترغم الاخرين على فعل شيء معين لكن يصعب عليها ‏اقناعهم بفعل ذلك ، مما يعني انه متى ما ذهب المؤثر الخارجي فان النتيجة ستكون عكسية ‏وهذا ما حصل في احتلال العراق ما بعد 2003. وبذلك جاءت هذه النظرية كرد فعل للإخفاق ‏الذي اتسمت به الادارة السابقة ادارة "بوش الابن" اثر الافراط في استخدام القوة العسكرية ‏لتحقيق التغيير ، وصولاً الى التوأمة التي اضطلع بها "جوزيف ناي" صاحب نظرية القوة ‏الناعمة ليجعل من الاخيرة اداة مهمة لتعضيد القوة العسكرية والاقتصادية لان القوة الناعمة ‏هي الاداة الاهم في ترويض العقول واستمالة القلوب التي يخترق الحدود وتفقد الدول سيادتها ‏وهي بذلك تخلق فجوة ما بين الشعوب وانظمتها، لاسيما وان الولايات المتحدة الاميركية ‏تمتلك أدواته المتمثلة بالأنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي وكل ما يتعلق بها. بل انها اداة ‏العصر اذ ان كل تغيير يكون عن بعد وبصورة خفية كونها تدبي كدبيب النمل وهي كما ‏وصفها "مورجانثو" بانها أخبث الوسائل في استهداف الدول والاشخاص لكنها ذات مديات بعيدة ‏وغير منظورة.‏

‏4-هيكلية الدراسة : ‏
و عليه جاءت الدراسة على أربعة محاور رئيسة :‏
‏1.‏ المحور الأول: الاطار المفاهيمي للقوة الذكية الذي يعد الأساس الاكاديمي الذي يمكن ‏الاعتماد عليه في الدراسات الأولية والعليا في العلوم السياسية لأنه فيه تأصيل لعنوان جديد لم ‏يدخل بعد في معاجم وقواميس العلاقات الدولية، ولهذا دابنا الى تحديد مفهوم القوة وانماطها ‏من جهة وتوضيح العلاقة ما بين القوة والتغيير من جهة أخرى ومدى الترابط الفعلي بينهما، الى ‏جانب ماهية مصادر القوة الناعمة والذكية.‏
‏2.‏ اما المحور الثاني: فهو يغني صانع القرار العربي بضرورة تقدير قوة الولايات المتحدة ‏الأميركية ومقارنتها بمنافسيها وخصومها على المستوى الدولي وفيما يتعلق بمنطقة الشرق ‏الأوسط، لذا فقد اخذ بعين الاعتبار وصف المقومات الظاهرة بالأرقام والتحليل التي تستند عليها ‏القوة الذكية، معتمدين على الأصول الفكرية والأصول المادية، التي توصلنا الى تقدير القوة ‏الحقيقة التي يعبر عنها بالقدرة لتحقيق التغيير المنشودة هذا ما تم تناوله في المحور الثالث.‏
‏3.‏ المحور الثالث: وهو عصب الكتاب الرئيس لأنه المادة العلمية التي تم فيها تحويل النظري ‏الى الواقع العملي، وعلى اعتبار أن القوة كفكرة قابلة للتطبيق يمكن القول إن القوة الذكية ‏تنبع أهميتها من كونها (تكتيك وتكنيك) جديد فان هذا المحور جاء للإجابة على ما جاء في ‏الإشكالية وهو هل ان القوة الذكية كأداء استراتيجي جاءت لتجاوز التحديات التي تواجه القوة ‏الاميركية ام هي سياسة واستراتيجية تتعدى تلك التحديات وان الاخيرة جاءت بعد ان تم ‏توظيف القوة الذكية الاميركية على ارض الواقع. وعليه أدركت الولايات المتحدة الاميركية " ‏‏(بان طبيعة الصراعات المترامية الاطراف مكانيا ً تحتاج منهم الى تطوير القدرات والمؤسسات ‏الاساسية الاقتصادية في المقام الأول والثقافية (غير العسكرية)، وهذا هو عنوان القوة الذكية ‏الاميركية. وعليه ووفق لتلك المعطيات المتصلة، فانه من المهم والممكن تقسيم الفصل الثالث الى ‏اربعة مباحث رئيسة لاستيعاب مجمل التطبيقات ومن ثم التحديات للوقوف الى اهم ما آلت اليه ‏القوة الذكية الاميركية وعلى النحو الاتي:‏
إذ يتضمن المبحث الأول المتضمنات الاقتصادية للقوة الذكية الأميركية وتم الاحاطة ‏بكل مفاصلها اذ تم تناول دور القوة الذكية في دعم الاستثمارات الاقتصادية ودور المساعدات ‏والمعونات في التأثير على الدول الاخرى واستغلاله كأداة لإخضاعهم للسير على مضمارها، ‏فضلاً عن دور القوة الذكية في دعم التبادل التجاري. اما المبحث الثاني: تناول توظيف ‏الولايات المتحدة الاميركية للقوة الذكية وللإحاطة بالموضوع اخذ المطلب الأول فلسفة ‏التحرك الاميركي لإدارة التغيير الدولي، وقد تم الاخذ بنماذج مختارة منها التغيير في المنطقة ‏العربية (ليبيا-اليمن –مصر –سوريا) كما في المطلب الثاني ، ثم توظيف القوة الذكية تجاه ‏الدول المارقة وبالتحديد تجاه (ايران) و(كوريا الشمالية) بحسب الوصف الاميركي في المطلب ‏الثالث.‏
اما المبحث الثالث : تناول التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الاميركية على المستوى ‏الدولي ، وجاء في المطلب الأول التحدي الصيني العملاق الاقتصادي الصاعد وفي المطلب الثاني ‏التحدي الروسي الباحثة عن استعادة الدور الذي فقدته بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والمطلب ‏الثالث التحدي الأوربي المتمثل بالاتحاد الأوربي، فضلاُ عن الاخذ الاستجابة الاميركية في ‏جميع هذه المطالب وقدرتها على استيعاب تلك التحديات .‏
اما المبحث الاخير : وفي نفس السياق تم الاضطلاع بالتحديات الداخلية لأميركا كما في ‏المطلب الأول التي تتعلق بالصراع الحزبي ما بين الجمهوريين والديمقراطيين حول قضايا تتعلق ‏بالضرائب والصحة ورفع سقف الدين ، اما المطلب الثاني فقد تناول التحديات اللا متماثلة ‏كتنظيم القاعدة واخواتها كتنظيم الدولة الإسلامية(داعش) والنصرة وغيرها ، بالإضافة الى ‏حزب الله والمليشيات (الشيعية) المنتشرة في المنطقة العربية ، التي اخذت حجماً كبيراً في حقول ‏الامن القومي الاميركي والسياسية الخارجية . ‏
‏4.اما المحور الرابع : فقد تم تحديد مستقبل القوة الذكية الأميركية والتي اخذت مسارين: ‏الأول : مشهد الاستمرار "ديمومة الخيار"، والثاني : مشهد التراجع المتمثل (بالإرباك ‏الاستراتيجي). ‏
وخلافاً للدراسات السابقة وتناغماً مع الدراسات المستقبلية الأميركية وجدنا انه من المهم ‏البحث في مستقبل القوة الأميركية فيما بعد القوة الذكية، بمعنى ماذا ستأخذ الاستراتيجية ‏الأميركية في مسارها في النسق الدولي بعد مرحلة القوة الذكية ، وهو ما يسمى بالمدى غير ‏المنظور ، او ما يطلق عليه "الميتا مستقبل" والذي تم طرحه في أربعة محاور : ‏
‏1.‏ مقاربة الأمميين (التعاون والصراع ) :‏
‏2.‏ مقاربة المتشددين ( دعاة القوة والحرب) : ‏
‏3.‏ مقاربة الانعزاليين ( دعاة العزلة والانكفاء على الذات ):‏
‏4.‏ مقاربة المتكيفين (التي تقوم على فكرة التالفات الاستراتيجية) –(القيادة بالشراكة): ‏
وهذا ما تم ترجيحه في كتابنا .‏

‏5-الاستنتاجات : ‏
اما اهم توصلنا اليه دراستنا : ‏
‏1.‏ تتميز القوة الذكية الاميركية بميزات عدة، كالمرونة والاستخدام الرشيد والعقلاني للقوة ‏وعدم الاصرار في حال الوقوع في اخفاق، لان تراجع القوي واعترافه بخطئه سمة من سمات ‏النجاح على مختلف المستويات ، وفي القرن الحادي والعشرين اصبح كل شيء ذكي، الهواتف، ‏الحروب، السياسة والقوة ، وجميعها تتعلق بالاستثمار الامثل والدقة والسرعة .‏
‏2.‏ حققت ادارة "اوباما" نتائج إيجابية على المستوى الادائي ، اذ استطاعت من استعادة واجهة ‏اميركا على المستوى العالمي الى حد ما على صعيد القيم والمبادئ التي تنطلق منها القوة ‏الناعمة القائمة على دعم حقوق الانسان والديمقراطية والحريات، وحق تقرير المصير واحترام ‏حقوق الشعوب بمختلف طوائفهم ، وهي كانت المنفذ للتدخل غير المباشر في التغيير الذي طرأ ‏في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الاوسط ، بل وتأليب الشعوب على أنظمتها في الدول ‏المناهضة للتوجهات الاميركية. وبالتالي استطاعت من ضبط مسار التغيير بيد خفية باستثناء ‏‏(قضية سوريا)حتى مع تحول هذه الدول الى هشة وفاشلة.‏
‏4.‏ سعت الولايات المتحدة الأميركية من خلال القوة الذكية تجديد ذاتها، أولاً، لتنصرف الى ‏إعادة ضبط إيقاع العالم على وقع دورها ، وهي تسعى من خلال الشراكة الى ادارة التغيير ‏الدولي عبر إعادة ترتيب النظام الدولي" على أساس نظرية (الغرب الكبير الموسع) المستند إلى ‏أوروبا الغربية، أولاً. وهذا "الغرب الكبير الموسع "يمكن أن ينظّم العلاقات الدولية في نظام عالمي ‏متوسع يحدُّ من تمدد الدور الصيني او الروسي في النسق الدولي.‏
‏6.‏ اتخذت الولايات المتحدة الاميركية من شعار الديمقراطية محطة مهمة في تعزيز التغيير ‏الذي يصب في تحقيق مصالحها لا سيما في المنطقة العربية، ومن خلال الديمقراطية استطاعت ‏من استعادة جاذبية قوتها الناعمة التي افقدها المحافظين في ولاية "بوش الابن" اياها.‏
‏7.‏ على الرغم من التحديات التي تواجه الاقتصاد الاميركي لاسيما مع صعود الصين والاتحاد ‏الاوربي الا ان الاستجابة الاميركية عبر ادوات القوة الذكية كانت ماثلة في قوتها الاقتصادية ‏المتمثلة بالعوامل الخارجية (الثالوث المقدس) البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة ‏التجارة العالمية، فضلاً عن العملة العالمية الممتثلة بالدولار الذي يعد العملة القيادية الاولى في ‏العالم من حيث التداول والاحتياط.‏
‏8.‏ في الجانب الاقتصادي استطاعت ادارة "اوباما" من اجتياز الازمة المالية بعد خطة الانقاذ التي ‏تمثلت بتدخل الحكومة بضخ جرعات مالية لإنقاذ البنوك والشركات الاميركية من الانهيار ‏وان كانت تبعاتها السلبية ما زالت ماثلة في الداخل والخارج.‏
‏9.‏ ان اهم نتاجات الاداء الاميركي في المجال الاقتصادي كان على الدخل الفردي، حيث تم ‏توسيع نظام الضمان او التامين الصحي والاجتماعي الذي شمل أكثر (30) مليون اميركي. ‏الذي حقق رضى شعبي كبير خصوصاً في الطبقة دون المتوسطة في المجتمع الاميركي.‏
‏10.‏ ‏ على الرغم من ارتفاع معدل الديون العامة الاميركية الا ان الاقتصاد الاميركي يتمتع ‏بضخامته من حيث الناتج ومن حيث النوع، اذ بلغ ما يقارب الـ(16) ترليون دولار وهو ما لا ‏يضاهيه اي اقتصاد حتى اقتصاديات دول الاتحاد الاوربي مجتمعة، فضلاً عن ذلك فان الاقتصاد ‏الاميركي لم يصل الى مرحلة الاستخدام الكامل.‏
‏11.‏ ‏ تعتمد القوة الذكية في حركتها وتوظيفها المكاني على الذخر الرئيسي الثاني بعد القوة ‏الاقتصادية، وهو المرتكز التكنولوجي والابداعي، المستمدة من ثقافة مبادرة مؤسسات تعليم عالي ‏متفوقة. فالأنترنيت صناعة اميركية تتحكم فيه عبر أدوات شبكة عنكبوتية مختلفة يصعب ‏التخلي عنها، لاسيما وان معظم الدول الكبرى وما دونها لا تستطيع ان تأتي ببديل له. وهي ‏الاداة الاهم للتغيير والتأثير في الانظمة والشعوب.‏
‏14.‏ استطاعت الولايات المتحدة الاميركية من عدم استخدام القوة المباشرة في معالجة ‏الجماعات التي تصفها بالإرهابية والراديكالية بقرينتها، بمعنى خلق ثنائيات العنف، فكل ‏جماعة وفاعل غير دولي يستخدم العنف لا ينفع استخدام مباشر للقوة الخشنة وانما خلق ‏جماعات اخرى او دعمها لمحاربة تلك الجماعة وفق لنقاط الاختلاف وان كان بصورة سرية او ‏عبر وسطاء او وكلاء اقليمين وحلفاء. والشرق الاوسط حافل بهذه التكتيكات غير المباشرة في ‏استخدام القوة وازالة التحدي من الفواعل من غير الدول.‏
‏15.‏ ان القوة الناعمة كآلية للتغيير وبالتحديد في دول العالم الثالث الغنية بالموارد وذات الموقع ‏المتميز والاهمية الجيو ستراتيجية زعزعة شكل الدولة، وأنها الان تواجه مسالة الدولة الموحدة ‏لتظهر الفيدراليات أو الكونفدراليات، أو دولاً مُتعددة الأقليات مع صعود العامل الثقافي والعرقي ‏أو الديني أو المذهبي. مما يجعلها خاضعة للقوى الكبرى كالولايات المتحدة الاميركية التي ‏تدير التغيير.‏
‏16.‏ حققت القوة الناعمة التي تسند عليها القوة الذكية الاميركية من خلال الفوضى ‏الخلاقة التغيير المنشود وبدون ان تحرك اي جندي خارج حدودها او خسارة أي جندي، على عكس ‏الالية العسكرية في تحقيق الفوضى في عهد "بوش الابن" والتي كانت لها كلفة مادية وبشرية ‏ومعنوية كبيرة ، وهذه الفوضى صنعت دول فاشلة الى قائمة دول كانت تشكل تهديد للمصالح ‏الاميركية وهذه الفوضى منضبطة وفق اداء استراتيجي اميركي يقوم بالاعتماد على الحلفاء ‏الإقليمين خارج حدودها ، وهو ما يطلق عليه "ارميتاج " بالتغيير عن بعد ، او غير المباشر.‏
‏18.‏ ‏ تؤكد طروحات "جوزيف ناي "وحتى "بريجنسكي" في كتابه (رؤية استراتيجية) ان العالم ‏بعد اميركا في أسوء الاحوال لن يكون صينياً في ظل انتشار القوة الاقتصادية بل فوضوياً، لان ‏الدول الكبرى غير قادرة على تسلم قيادة النظام الدولي او التفكير بوراثة دور اميركا القيادي ‏بسبب ارتباطها بالولايات المتحدة الاميركية اقتصادياً او تكنولوجياً او عسكرياً ، فاليابان تعتمد ‏على الولايات المتحدة لحمايتها عسكرياً، اما روسيا فبالرغم من تمددها الا انها عاجزة عن ‏استيعاب خسارة إمبراطورتيها، اما اوروبا فما زالت بعيدة عن تحديد هويتها سياسياً مع بقاء ‏اعتمادها بارتياح على القوة الاميركية ، اما الصين فان مزاجها العالمي ليس ثورياً، ولن تكون ‏خلال العقود المقبلة جاهزة للاضطلاع بدور اميركا في العالم ، وتدرك الصين ان اي تدهور ‏سريعاً لتفوق اميركا العالمي من شانه ان يفرز ازمة عالمية قادرة على تخريب رخاء الصين لا ‏سيما في اعتمادها التجاري على اميركا والاحتياطي الكبير من الدولار الذي تملكه، وهو تأكيد ‏على الطابع غير الصفري لبنية العلاقات الدولية.‏
‏19.‏ ان رؤية "أوباما" تختلف عن القائلين بالعزلة الاميركية ، فهو يؤكد على ان الولايات ‏المتحدة لن تنسحب من دورها العالمي بسهولة، وهو القائل بوضوح "أننا باقون على انتشارنا ‏العالمي". لذا فهو يعتمد على "مبدأ ويلسون"، بمعنى السير على خطى الإدارات (الديمقراطية ‏خاصة) التي استلمت مقاليد الحكم في المدة التي سبقت مرحلة الحرب الباردة وكذلك إبان ‏حرب فيتنام. وهي لن تتدخل مباشرة في الصراعات والحروب التي يمكن أن تستعر (وما أكثر ‏التوقعات في هذا الاتجاه)، بل إنها ستترك زمام التحرك لحلف شمال الأطلسي، الذي أعيدت ‏صياغة دوره وبرنامجه في قمتي لشبونة وواشنطن، ولحليفيها الرئيسيين بريطانيا وفرنسا. كما ‏فعلت في الحرب ضد ليبيا أو كما تفعل اليوم في الحرب ضد التشاد. وستكتفي بالتوجيه ‏والإشراف، ومن الحلفاء ببعض عناصر القوة، أما التدخل المباشر، فعند اللزوم فقط.‏
‏20.‏ ‏ ومن اهم المتضمنات الاستراتيجية للقوة الذكية التي يمكن ان نجدها متمثلة (بالتالفات ‏الاستراتيجية والتشاركية في النظام الدولي) عبر الغرب الموسع(الاتحاد الاوربي)، او الحلفاء ‏الإقليمين (كتركيا)، او حتى القوى الصاعدة (كالصين) في التبادل التجاري المرتفع بين ‏البلدين او الخصوم التاريخيين (كروسيا) ، الذي عده المحافظون تراجعاً ، بقدر كونه تكتيكات ‏وتكنيكيات جديدة في صد محاولات التغيير غير المرغوب فيها في هذه المرحلة.‏
‏23.‏ ‏ ان الاداء السلمي لإدارة "اوباما" اتاحت الفرصة واعطى المجال للخصوم والمنافسين الدوليين ‏كروسيا الاتحادية للتأثير في القضايا الدولية ، وهذا ما تم ملاحظته في سوريا و تدخلها في ‏منطقة القرم الاوكرانية ، فضلاً عن الخصوم الاقليمين في منطقة الشرق الاوسط كإيران اذ ‏توسع نفوذها بدون رادع.‏
هذه الاستنتاجات تدفع بنا، ليس فقط للقول إن الدور الأميركي لن ينحسر على المستوى ‏العالمي، بل للجزم أن الحروب الأميركية على العالم وشعوبه ستزداد بصورة مباشرة او غير ‏مباشرة، وإن تعددت مراكز تنفيذها.‏
‏6-التوصيات :‏
‏1.‏ ضرورة تنويع استخدام مصادر القوة كألية للتغيير الدولي ، فلم تعد القوة الخشنة الالية ‏الامثل في التغيير، لاسيما مع الانكشاف الاستراتيجي للدول مهما كانت مكانتها امام العامل ‏التكنولوجي والمعلوماتي.‏
‏2.‏ ‏ التأكيد على اهمية القوة الاقتصادية في دعم مقومات القوة الاخرى فهي البنية التحتية ‏لمجمل مركبات القوة الشاملة الاخرى ، وان الاستثمار الامثل للموارد وتدفق عائدات الاقتصاد ‏الاميركي (الناتج القومي الاجمالي) يتوجب ان يعكس التوجه العالمي لها وعدم اغفال الداخل ‏الاميركي الذي يمثل ذخراً في استقرار اي دولة ودوره في تعزيز الولاء والتلاحم الاجتماعي، وهو ‏ما عمل عليه "اوباما".‏
‏3.‏ ضرورة حصول توافق فيما بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري لضمان نجاح واستمرارية ‏القوة الذكية في ادائها، وبدون ذلك سينعكس ذلك سلباً على مكانة الولايات المتحدة ‏الاميركية وقدرتها على الاستجابة للتحديات المتماثلة وغير المتماثلة .‏
‏4.‏ ان القرن الحادي والعشرين قرن انتشار القوة وتوسعها وان ضبط ايقاع هذا الانتشار يتطلب ‏استراتيجية ثابتة الاهداف وان القيادة العالمية والحفاظ على الهيمنة اللينة القائمة على ‏التشاركية في النظام الدولي هو الحل الامثل والفرصة السانحة لضبط وادارة التغيير بما ‏يتناسب والاستراتيجية الاميركية الشاملة.‏
‏5.‏ واستكمالاً من النقطة السابقة فان درس حربي العراق وافغانستان، والتفرد بقيادة النظام ‏الدولي عُد امراً مكلفاً جداً على المستوى الاقتصادي والعسكري وله اثار على مختلف المجالات ‏الاخرى، وان مقترب التطور الامثل ما طرح سلفاً متمثل بالقوة الذكية.‏
‏6.‏ ان القدرة وليست القوة هي التي تحدد مكانة الدولة، وبالتالي فان روح المجازفة والمبادرة في ‏التوظيف هي التي تحقق المردودات الناجعة على مختلف الصعد حتى وان كان النتائج سلبية ‏في بعض المواضع، لأنها تعطي دروس مهمة من المكن الاعتماد عليها في استشراف المستقبل، وان ‏الاستخدام الامثل للقوة الذكية يضمن استمرار الهيمنة الاميركية عبر المؤامة والتكيف مع ‏واقع النظام الدولي بما يتناسب مع كل مرحلة .‏
 

رابط الكتاب اضغط هنا .

* اعلام الكلية *

Go to top